أي بني..
محمد بن صالح البليهشي

أي بني..
وردت إلى رسالة من أحد زملائك يوم أمس يسألني فيها بعد أن عرف (قيم) العين ومسؤولياته عن ما يأخذه من أجر نظير قوامته ويعني بذلك القيم) يفتح القاف وتشديد الياء المكسورة، فأقول : بأنه جرت العادة على أن يكون (قيم كل خيف من خيوف النخيل التي تسقى على العيون أكثر الملاك مالاً في ذلك الخيف أو في تلك العين فيقام (القيم) لينظم عمل العين ويشرف على إصلاح كل خراب يلحق بمجاريها من جراء الهدم وأضرار السيول.. وحتى يكون عمله مراقباً جرى العرف على إقامة أربعة أو ستة من كبار الملاك في الخيف. أو العين بحيث تكون المشورة ومناقشة أمور الاصلاح من عدمه مع (القيم) وهؤلاء النظار) أو (التزمية) كما يعرفونهم لا يتقاضون شيئا نظير مشورتهم أو مناقشاتهم أو اجتماعاتهم أما (القيم) فإن الزم) العين أي اتفاقياتها وقوانينها المكتوبة تفرض له أجرة عاملين في اليوم الواحد وتنص بعض. وثائق العيون في بعض الخيوف على أن تكون أجرة أحدهما من أعلى أجور العمال والآخر من أدناها أو أوسطها لان أجور عمال العيون في الدبول والفنجان تختلف من عامل الآخر بناء على الخبرة والتجارب والجرأة في الدخول إلى المجهول في تلك الديول المظلمة والفلجان أو (الفقر) العميقة المظلمة أيضاً.
فيوم (القيم) بيومين أثناء العمل لأنه هو المنظم وهو المنادي يبدأ العمل. وهو المشرف على شؤون الإصلاح وله من القوانين والنظم والعهود والمواثيق القديمة الملزمة ما يحميه من كل تعد أو باطل، كما أن عليه أيضاً من العهود والالتزامات والمواثيق والمتوارثة أباً عن جد ما يلزمه بالسير في خطة الإصلاح وحوله من النظار أو (اللزمية) من يساعده في تنفيذ خطة العمل وفي رسمها قبل كل شيء، وبذلك هو المنادي يبدأ العمل بعد مشورة أهل الخيف وهو العارف بشؤون العمال والمشرف على صرف أجورهم من حصيلة ما يجتمع من (فرق) على كل وجاب أو وجبات العين.
أي بني :
وبتوضيح أكثر المسؤوليات (القيم لنفرض أن قيم أحد خيوف العين لاحظ خراباً أو آتي سيل وهدم بعض مجاري أو جسور العين فسارت العين في غير مجاريها وربما ذهبت ميامها إلى الأودية. عندئذ يعقد القيم) اجتماعاً لأهل الخيف الممثلين في الأربعة أو الستة أو الثمانية الذين حددتهم وثائق العين منذ القدم.. حيث أن وثائق كل عين نصت على أن يكون الزمية العين واحداً من كل قبيلة وحددت تلك القبيلة بعينها والقبيلة مع مرور السنين تختار واحدة منها وبموته تختار آخر وهكذا وفي بعض الأحيان تحدد الوثائق كون الزمي العين أحد أفراد فخذ بعينها من قبيلة بعينها وبذلك تتوارث هذه. النظارة أو اللزمة) جيلاً بعد جيل وتعتبرها حقاً من حقوقها لا تفرط فيها مهما كانت الأسباب لأن تفريطها فيها وضياعها من العيوب الكبيرة التي . تغير بها بين وقت وآخر.
يجتمع القيم بلزمية العين ويوضح لهم وجهة نظرة وملاحظاته وبعد مناقشات عدة يقدرون العمل وما ويلزمه من نقود لإصلاح الخراب ويوزعون كلفة الإصلاح على قدر (وجاب) العين بحيث تكون حصة جميع الوجاب ) متساوية والوجاب جمع وجبة في عرفهم والوجبة من طلوع الشمس إلى غروبها أو من غروبها حتى طلوعها.
وبعد توزيع المبلغ المقرر على الوجاب توزع حصة كل وجبة على عدد الأقدار في تلك الوجبة أو على نسب توزيعها إن كانت موزعة بالنسب كل من الوجبة وربعها ونصفها وثلاثة أرباعها وبذلك يعرف كل صاحب قدر معين من الماء ما عليه من غرم وفي هذه الحالة يقوم (اللزمية) بإبلاغ أصحاب الوجاب بما عليهم من امرق) أي مبالغ للإصلاح ويتم جمع تلك المبالغ على مستوى الوجبة بحيث يقوم صاحب الوجبة بجمع المبالغ من عماله) وهم الذين لهم. حصة في وجبته ويتم الباقي ويسلمه الأمين الصندوق الذي قد جرى تحديده مسبقاً أو يسلمه اللزيم الذي هو مسؤول عنه واللزيم بدوره و يسلمه القيم) أو لمن يختاره القيم ومساعدوه كأمين للصندوق وعند جمع المبالغ التي فرضت على جميع الوجاب ينادي ببدء العمل للإصلاح.
اي بني:
في زمان مضى لم يكن لدى الناس نقود يجمعونها في أكثر الأوقات ولكن صاحب الوجبة عندما يعرف الذي قد فرض على الوجبة من نقود يعين من العمال من جماعته وخاصته وأبنائه ومن لهم حق في السقي) من وجبته يميؤهم للعمل يوميا بقدر ما على الوجبة من نقود ويقوم هو بمحاسبتهم عن أجورهم نظير عملهم بعد جسم ما عليهم من مبالغ نظير مالهم من مياه. يعطيهم أجورهم من حبوب الدخن والذرة والشعير والأقمشة المستعملة. في ذلك الوقت حتى يسدد ما على الوجبة من (فرق) أي مبلغ مقرر وهكذا يفعلون حيث تجد أن عمال العين هم أهلها وكل منهم يعمل بإخلاص لأنه يدفع بعمله ما عليه من مبالغ مقررة وبالتالي يلمس نتائج إخلاصه وإتقانه في استمرار الصلاح والإصلاح مدة أطول... ويحدد قيم العين كاتباً يسجل يومياً اسم الوجية وعدد العمال الذين أعدهم صاحب الوجبة اللمعاداة) أي للعمل بقدر ما فرض على الوجبة من مبالغ.. وهكذا يسير العمل بسرعة عجيبة لأن التأخير فيه أو التباطؤ يعرض نخيلهم ومزروعاتهم للهلاك أو لتقليل المحصول وهو ما لا يرغبونه إذ هو مصدر رزقهم ومعاشهم الذي منه يقتاتون وفي سبيله يستدينون وعند انتهاء العمل تماماً وعودة العين إلى مجاريها وقد يكون نهاية الاصلاح ونهاية العمل تماماً في وسط النهار أو قرب العصر أو مع بداية الليل لذلك جرى تقنين في كثير من العيون وبموجب وثائق قديمة على منح القيم) جزء ذلك النهار وتمام ليلته بحيث خصصت له العين يسقى منها ويعطى من يشاء ويمنع من يشاء مكافأة أخرى له على إشرافه وقيومته فهو يستلم العين في جزء ذلك النهار وتمام الليل له خاصة ويسمونها الدخلة بفتح الدال المشددة وفتح الخاء واللام وهذه ليست دخلة العروس ... بل شبيهة بها وهي دخلة العين في الخيف بعد تعطلها
بسبب حرف السيول لبعض مجاريها كما أوضحت ذلك سابقاً. وقد جرى العرف في كثير من العيون عند انتهاء الإصلاح من الخراب الذي أدى إلى ضياع العين وسيرها في الأودية في غير مجاريها... جرى العرف كالإيدان ببدء وجاب العين المعتادة أن يأمر (القيم) منادياً ينادي بأعلى صوته بعد أداء صلاة الظهر أو العصر وبعد أن يحمد الله ذلك المنادي ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً بأن اليوم دخلة العين وغدا بداية الوجاب ويسمى
الوجبة الأولى التي ستكون في يوم غد باسمها وهي الوجبة الأولى كما نصت عليه وثائق العين أي هي البداية وبعدها تسير الوجاب تباعاً كما هو مقرر وينوه عند تعريفه بذلك بأن اليوم دخلة العين وغدا الوجبة الفلانية بأمر (القيم) وبذلك يعلم الجميع حيث يردد المنادي تعريفه ذلك ثلاث مرات بصوت يسمعه القاصي والداني في القرية.
أي بني:
هذه عادات قديمة وتقنين أعده الأجداد لمسار العيون في كافة أحوالها في صلاحها وخراب مجاريها وديولها وحسبوا لكل حادثة حسابها خوفا من اختلاط الأوراق واحداث المشاكل
إن العيون يابني تسير في مجاريها وقد أحاطوها بأنظمة قوانين وأعراف وحموها بالتزامات وجزاءات رادعة وقد تختلف التسميات والجزئيات بين عين وأخرى وبين خيف وآخر ولكنها في مجموعها أنظمة مقننة ملزمة تحسب لكل شيء حسابه و تضع كل شيء قد يحدث في موضوع العين في مساره الصحيح دون حيف أو ظلم أو تعد فهم كما أخبرتك في الرسائل السابقة أحكموا ديول ومجاري العيون ووضعوا لما (الفلجان) أو (الفقر) جمع فقرة بضم الفاء وسكون القاف وفتح الراء غرف التفتيش في عرفنا حالياً) وهم أوجدوا موازين سير الماء في الربعان) بوساطة شلالات تحفظ مستوى الماء بين كل مرتفع ومنخفض في المجاري.. وقننوا فتحات كل بستان أو حوض بحيث لا تتعدى العين السقيه إلا من خلال تلك الفتحات) ولا خيار الصاحب البستان أو البلاد أو الحوض في ذلك بل عليه أن يلتزم بأن الماء لا يصل إلى بلاده) أو بستانه إلا من خلال تلك الفتحة (الخزانة).
وهم أيضاً حددوا عدد الوجاب التي تسير في مسيرها تلك العين وأثبتوا بداية كل وجبة بأشعة الشمس في الصباح الباكر على قمم جبال معينة كبداية لوجية النهار واضمحلال أشعتها الصفراء من على قمم معينة وعلامات مشهودة كبداية لوجبة الليل وهم كذلك أوجدوا ميزان توزيع كل ماء وكل وجبة بقدر العين الذي أحاطوه بالكثير من الأنظمة المقدسة الملزمة ولا أعني بالتقديس التعظيم ولكنه شدة الالتزام بنظامه وعدم تجاوزه مهما كانت المبررات والأسباب وهم أيضاً الذين أوجدوا نظم الإصلاح في العيون وحددوا موازين قوامة) الخيوف والعيون وأوجدوا الأطر العامة التي يسير بها أولئك القوام وما لهم وما عليهم من حقوق وواجبات ولم يتركوهم بل أوجدوا وحددوا معهم مستشارين يمثلون أهل الخيف ويناقشون مختلف
القضايا على مستوى الصالح العام والفائدة القصوى للعين وخيوفها. أمور كثيرة وأنظمة ملزمة وعادات وأعراف في نظام تلك العيون حفظتها الوثائق وتوارثها السلف عن الخلف وأنها لدعوة مخلصة يابني أوجهها من خلال رسائلي هذه إلى المختصين في كليات الزراعة والمياه بالمملكة وهم يكلفون طلابهم بالبحوث المتخصصة أن يولوا أنظمة العيون القديمة في مختلف جهات بلادنا اهتماماتهم بحيث يحدد الطالب جهة منشته ويكلف بناء على ذلك بإعداد بحث ميداني مدعم بالوثائق والصور عن تاريخ ونظام
وعمارات أي عين يختارها في جهته.
إنهم لو أولوا هذه الناحية اهتماماتهم وأشادوا بالطلاب المبرزين منهم وجدوا بعد وقت قصير تاريخاً وتراثا نحن في أمس الحاجة إليه لتكملة تلك الصور الكبيرة عن أرضنا وما ذكرت به من أمجاد على مر العصور والأزمان.






