أي بني..
محمد بن صالح البليهشي

أي بني..
قلت في رسالتي الماضية بأن (المهراس) حمال الأسية كما يقولون . في هذا الباب فصوته لا يجلجل وتدق فيه مختلف أنواع الأدوية . والحبوب لعمل الهريسة والشربة ومختلف أشكال أعواد الدباغ التي تدق به وتدبغ الجلود لتهيئتها لمختلف أنواع الاستعمالات...
وعلى ذلك المهراس واستعمالاته قد تستغرب وزملاؤك في هذا العصر عندما أقول بأننا قد شاهدنا قبل ثلاثين عاماً سوقاً بالمدينة المنورة ممتلئاً بالمهاريس وكان يقع في الشرق من مسجد الغمامة ويطلقون عليه (سوق الفلتية) حيث اتخذت تلك المهاريس بمثابة . الطواحين في هذا العصر وكان يقوم على تلك المهاريس في سوق الفلتية ذلك أناس تخصصوا بدق الحبوب والدباغ ومختلف ما يراد دقه للغذاء أو لللاستشفاء
أي بني
أعدت لك المقطع السابق من رسالتي إليك الماضية للسببين أولهما موقع سوق الفلتية حيث كتب في الرسالة بأنه يقع في شرقه مسجد الغمامة والواقع أنني لم أقل في شرقه بل قلت : وكان يقع في شرقي مسجد الغمامة وهذا موقعه الذي كان ولكن الكاتب أبدل الياء هاء فاختلف الموقع وأوجد بذلك اعتراض المعترضين وصيحات النائمين على المواقع والمسميات.
سامحه الله لم تعجبه الهمزة فوق الواو في جملة قد تستغرب .
أما السبب الآخر الذي جعلني أكتب هذا الجزء من الرسالة أن الكاتب وزملاؤك في هذا العصر وخشي عليها من السقوط فأوجد لها كرسياً . لتستقر عليه وكتبها وزملائك فأراح نفسه بتنفيذ ما أراد رحمة . بالهمزة وخوفا عليها من السقوط، ومادري حفظه الله أنه يعمله هذا . قد أسقط أياك سقطة كبيرة أوجدت فيه خدمة رأى دمها أنصار . سيبويه جميعاً وصاحوا بصوت واحد ينادون بالويل والثبور، وترك . للغامزين واللامزين فرصة تحولت أعينهم من خلالها وتلفظت . السنتهم من جرائها وعلت وجوههم الابتسامات الصفراء واللفتات . المصطنعة من جراء هذه السقطة التي تسبب فيها الناسخ أعانه الله.
أما أبوك يابني فكما تعرفه لا يرغب في إزعاج سيبويه ولا يتحمل عمر انصاره وغيرهم ويؤكد لك ولهم أنه يعرف الضارب والمضروب بين عمرو وسعيد فلا تحملوه ما لا ذنب له فيه.
أي بني:
قبل أن أبتعد عن المهاريس وسوقها وهو سوق الفلتية كما كان يسميه أهل المدينة أود إحاطتك وإحاطة زملائك بأن أولئك الناس أهل سوق الفلتية لا يستنكف أحد منهم عندما ينسب إلى السوق فهو . لا يغضب عندما يقال عنه (فلتي) بفتح الفاء واللام وكسر التاء نسبة . إلى سوق الفلنية أو المهنة في مجموعها وهو دق الحبوب في
المهاريس وكذلك الآخرون من أصحاب المهن الأخرى لا يغضب أحدهم عندما ينسب إلى مهنته التي يمارسها ويستعيش منها ... كان هذا في الستينات الهجرية من القرن الماضي، وقد لاحظت هذا عندما أحسنت بي الظن لجنة حفل ثانوية طيبة بمناسبة مرور نصف قرن على إنشاء المدرسة وأوكلت إلى تأليف كتاب عن ثانوية طيبة وما . مرت به من أطوار وتطور خلال خمسين عاما ورأيت من خلال بحثي في هذا الموضوع أن سجل قيد الطلاب الذين التحقوا بالمدرسة في بدايات تأسيسها يضم من بين حقول معلومات الطالب عند التسجيل بعد اسمه واسم أبيه وتاريخ ميلاده حقلاً خصص لعمل ولي الأمر فكان من بين تلك الأعمال لأولياء الأمور في ذلك الوقت أفلتي . قهوجي - سقاء - عريجي - دباغ - صباغ - كاتب في الإمارة - صبي عند الخريجي - خردجي أي بائع خردة - معلم أي بناء - جمال - عطرجي أي بائع عطر - عطار - عقلجي أي بائع أو صانع عقل - بقال - مطير حمام بالحرم كناس بالحرم - محام أي بائع فحم - حطاب أي بائع حطب - طباخ -يسوق العياشة - جمال أي يكرى جمله في السفر بين المدن والقرى والكراء هو التحميل بأجرة - مدرس في مدرسة الأيتام - أو مدرسة العلوم الشرعية - بائع بسوق العياشة - جبان أي بائع جبن - سمان أي بائع سمن - سائق - نحاس - رباب نحاس أي يرب النحاس - بمعنى
يجليه ويبيضه).
وهكذا يابني كان ولي الأمر ينسب إلى مهنته في تلك الأيام ولا يغضب من ذلك بل قد يفتخر بها لأنه كان يتوارثها عن أبيه وجده ويأكل منها لقمة العيش فالنجار والحداد وغيرهما يحس الواحد منهم بشيء من الاعتزاز إذا ما لقب بمهنته التي ورثها عن أبيه وجده خاصة في مدن الحجاز ومنها المدينة المنورة.. وحتى الطالب تلك الأيام لا يغضب عندما يسمع من مدرسه أو من أي أحد من العاملين في المدرسة عندما يعرف عليه بمهنة أبيه بعد كلمة ولد.. كأن يقال مثلا فلان ولد فلان الدباغ أو فلان ولد فلان القهوجي أو فلان ولد فلان الطباخ... وكذلك العاملون في المدرسة لا يجد أي مسؤول فيهم حرجاً في أن يسجل بالسجل العمل الصحيح الذي يمارسه والد الطالب.. كان ذلك يسير بطيبة وحسن نية وصدق وإخلاص وعفوية ليس بها ازدراء أو سخرية أو انتقاص.
أي بني:
ومادمنا قد تحدثنا عن سوق الفليتة هذا الذي كان يقع شرقي مسجد الغمامة ويفصله عنه الشارع، دعني أخذك معي في نفس المنطقة قبل أن تهدم وتدخل ضمن التوسعة الكبرى للمسجد النبوي الشريف.. إنك اليوم ترى ساحات كبيرة ومشاريع ضخمة ومواقف وأنفاقاً وطرقاً في المنطقة الواقعة بين مسجد الغمامة والمسجد النبوي الشريف، وهذه المنطقة يابني كانت قبل إدخالها في مشروع التوسعة العملاق لخادم الحرمين الشريفين - المسجد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم كانت هذه المنطقة تضم أسواق الحبابة والعياشة والتمارة والأدوات المنزلية، كما تضم أسواق
الطباخة والفلتية والفاكهة ودكاكين العطارة والقماشة.
كانت الأسواق في المدينة المنورة متخصصة وكل سوق يضم أهل
مهنة معينة فكان طالب الحاجة لا يتعب كثيرا في البحث عنها بل يتجه إلى سوقها المعروف فيجدها بأنواعها المختلفة وأسعارها المتباينة حسب أنواعها وأصنافها وتمتد أسواق المدينة من موازاة الركن الشمالي الشرقي لمسجد الغمامة وحتى باب السلام وباب الرحمة للمسجد النبوي الشريف وتحد تلك الأسواق بشارع المناخة غربا وبرحة باب السلام وباب الرحمة شرقاً، فإذا خرجت من باب السلام تجد البرحة أمامك وكانت مساحتها لا تزيد عن خمسين مترا في خمسين تقريباً وبعد البرحة تصعد على درجات خمس أو ست لتسير في شارع العينية الذي ينزلك على تلك البرحة وتسير فيه، وكانت دكاكينه يمنة ويسرة، ولها مقدمات من العقود الحجرية وكانت أرضه مرصوفة بالحجر المفروش وخلف شارع العينية من جهة الجنوب كان يوجد سوق القماشة الذي احترق في التسعينات الهجرية، وبعد نهاية شارع العينية أو قبل النهاية بخمسين متراً تجد برحة كانت تباع بها المفارش وقبلها كان بها سوق الخردة وهذه البرحة الصغيرة تؤدي إلى أربعة منافذ، منفذ شرقه على شارع العينية وآخر غربه على المناخة ومقاهيها وثالث إلى جهة الجنوب يؤدي إلى باب المصري وسوق الحبابة وأسواق العياشة والتمارة والطباخة والفاكهة والنحاسة والكندرجية أو الأحذية والرابع إلى الشمال ويؤدي إلى أسواق البرسيم والقصم، وهو النوى المدقوق ودكاكين الأدوات المعمارية كالمسامير ومتطلباتها والكوالين وغيرها ومن هذا السوق منفذ آخر إلى سوق القفاصة وهو مخصوص لبائعي وصانعي
الأقفاص من جريد النخل وسوق الخياطة.
لا أدري كيف جرني الحديث عن أسواق المدينة التي كانت أكثر من خمسة عشر سوقاً في مساحة لا تزيد عن الكيلو متر المربع تقريباً والتي يحتاج الحديث عنها إلى رسالة مستقلة لشرحها لك بمداخلها ومخارجها ونوعيات ما يباع فيها وما شهدته هذه المنطقة قبل تلك الأسواق من أسواق الأشياء أخرى قبل هدم أسوار المدينة وتوسعها.
أي بني :
وكل الذي سبب هذا الإيجاز لهذه الأسواق إبدال الناسخ الياء هاءً في تحديد موقع سوق الفلتية لأن الفارق كبير بين قول: ( يقع في شرقه مسجد الغمامة وقول: يقع في شرقي مسجد الغمامة ).
أي بني :
أرى أن دخولي في شرح أسواق المدينة قبل إدخال مساحتها في التوسعة الأخيرة للمسجد النبوي الشريف لم يشف غليلا ولكن أعدك بشرح مستفيض لها عند حديث لك عن المدينة في رسائل متوالية لها استقلالية خاصة وإعداد خاص وإلى اللقاء في رسالتي القادمة إليك.






