أي بني..
محمد بن صالح البليهشي

أي بني..
لقد تأخرت عليك في إرسال هذه الرسائل بعض الوقت ظنًا مني بأن مكالمات الهاتف التي أسهمت كثيرا في هذا العصر في تقليص . الرسائل المكتوبة أو مسخها في كثير من الأحيان... ظنا مني بأن مكالمات الهاتف تلك تقوم مقامها ولكن الذي أثبته الواقع غير هذا إطلاقاً.
لقد حقق الهاتف بفروعه المختلفة إنجازاً باهراً من إنجازات العصر الذي نعيشه وحقق لعصرنا قمة ما يتمناه وما يعتبره عنوانه ألا وهو السرعة في إيصال المعلومة بأساليب متطورة ولكن مع هذا ظلت وستظل الكلمة المكتوبة هي الإشعاع الذي يتوهج في كل وقت على مر الأيام والسنين، ولا يقتصر توهجها على فرد معين أو على جيل من الأجيال بل تبقى دائما صاحبة القدح المعلى في دنيا الثقافة والمعرفة والاختراعات والإبداعات ونقل الحضارات بين أمم الأرض في جميع حقب التاريخ ولذلك فمهما افتخر الهاتف في سرعة إيصال المعلومة . مشافهة إلا أن الحرف المكتوب يظل هو صاحب التوهج والسرية في كثير من الأحيان.. بل في جميع الأوقات ولو كان الاتصال الهاتفي قد ألقى الرسائل كما قلت لي في يوم من الأيام لما كلف الملوك . والزعماء والقادة أنفسهم بإرسال مندوبيهم إلى آخرين وهم يحملون
الرسائل المكتوبة في هذا العصر الهاتف والتلكس والفاكس. ثم إن الهاتف بفروعه المختلفة يقف عاجزاً عن حمل الكتاب الذي يضم بين دفتيه تجارب الشعوب وحضاراتها وتفاعلاتها مع الحياة على مر التاريخ.
أي بني :
بعد هذا أعود ثانية لأقول لك أرجو أن تبلغ زملاءك الذين اتصلوا بي. شكري وإعجابي لأنهم ألحوا علي في مواصلة كتابة هذه الرسائل إليك.. ويقولون بأنها لا تختص بك بل هي لهم جميعا وقد وجدوا فيها. شيئا ما يبحثون عنه ويعجبون به ووجدوا بها شيئا يربطهم بأصالتهم. وحياة آبائهم وأجدادهم على هذه الأرض، وأنا يابني ما كنت أظن أن تعلقهم وحبهم قد وصل إلى هذه الدرجة التي أحسست بها من خلال رجاءاتهم واتصالاتهم لمواصلة إرسال هذه الرسائل التي لم يحملها البريد والتي تقدم أطباقها شهية.. جعلت لقراءتها نكهة خاصة تجذب .
القراء شيباً وشبانا بمختلف طبقاتهم وهي ميزة أعتز بها وأفرح... ثم إنني أشكرهم وأنا فرح بما أبدوه من حب وانتماء وأصالة ولعل ما. أكتبه في هذه الرسائل يكون كذلك أو يقرب منه وهو أمنية غالية. أسعى إليها في كل رسالة.
أي بني..
اتصل بي أحد زملائك بالأمس وطلب مني ما اتفقت معه أنت في طلبه وهو أن تتضمن هذه الرسائل بعض ألعاب الشباب القديمة مع شرحها في الحاضرة والبادية ونزولاً عند هذا الطلب يسرني أن ألبيه.. ولكن قبل هذا أود أن ألفت نظرك يا بني أن جدك الأستاذ القدير ورجل الصحافة وشيخها حسن عبد الحي قزاز قد كتب في الحلقة 19 من سلسلة مقالاته التي يكتبها على صفحات الأربعاء بتاريخ 27 رجب سنة 1413 هـ حيث ذكر من الألعاب ووسائل التسلية لدى الصغار كلعبات الكورة والبرجوة والبرير والكبت والكبوش والطيش والمدوان والمرصاع والمدارية.. ولا أعتقد أن بعد قوله قولا في هذا العبق الحجازي «الحضري» ولكنني يابني أضيف عيقا حجازيا «بدويا» مكملا له في مجال ألعاب الأطفال يوم أن كنا كذلك في السبعينيات. الهجرية حيث لا كرة ولا أفلام كرتون ولا بسكليتات ولا دبابات ولا
عرايس ملونة متحركة بلاستيكية أو أسفنجية.
في تلك الأيام يابني في القرى والبادية بالحجاز عموماً كنا نمارس العديد من الألعاب أو اللعبات على الأصح ومن لعبة ، مضيمضاح». ولعبة مضيمضاح» هذه كنا نلعبها في الليل، حيث يأتي الأولاد الصبية ويقسمون أنفسهم إلى فريقين متساويين ويختارون عظماً أبيضاً وتجرى عليه القرعة بين الفريقين ليكون مع أحدهما حيث ينبري إلى الإمساك بالعظم واحد من الفريق ثم يحذف به بقوة في أي جهة كانت وينطلق الجميع للبحث عن العظم وهم يرددون ، مضيمضاحوين غدا.. وين راح ، فإذا وجده أحد الفريقين يصيح بأعلى صوته ، معي. وينطلق إلى الميدان الدائري الذي جرى تحديده مسبقاً ليلتجئ إليه . صاحب العظم.. وفي انطلاقته تلك معركة حامية الوطيس بين فريقه الذي يدافع عنه حتى يصل إلى المات الميدان الدائري وبين الفريق. الخصم الذي يحاول بشتى الوسائل أخذ العظم من الذي وجده قبل وصوله إلى الماد» أي الميدان المحدد، فإذا دخل صاحب العظم الماد. والعظم بيده فاز فريقه واحتفظ بالعظم للعبة جديدة وإذا أخذ منه قبل وصول الميدان صار من حق الفريق الخصم الذي هو الآخر يقوم برمي العظم هذا والذي يسمونه «مضي مضاح، ويرددون عند البحث عنه جميعاً ، مضيمضاح وين غدا وين راح، وهكذا.
ومن العجيب أن صاحب المعجم الوسيط قد ذكر هذه اللعبة وسماها عظم وضاح، ومثل لعبة مضيمضاح هذه أو عظم وضاح على رأي صاحب المعجم لعبة أخرى كنا نسميها شق القناء.
وهذه اللعبة كنا نتعمد كثرة عدد الصبيان فيها لأن كثرة اللاعبين تعطيها الكثير من الإثارة والجمال فتحضر ليلا وتنقسم إلى فريقين في برحة كبيرة خالية من الأحجار والعوائق ويقف الفريق في مواجهة خصمه مقابلة بينهما مسافة خمسة أمتار تقريبا، بحيث يكون كل فريق عبارة عن صف واحد وتختار بداية اللعبة بالقرعة، فينبري أحد أفراد الفريق الذي وقعت عليه القرعة بالبداية قائلا بصوت مرتفع شق القناء ويسكت فيرد عليه الفريق الخصم منهو براسه ؟...
فيقول في رأس فلان ويختار أحد الأفراد الذين يمتازون بالسرعة وخفة الحركة وقوة المراوغة فيغير فلان هذا إلى الميدان الذي يبعد عن الموقع قرابة 150 متراً، والذي سبق تحديده منذ البداية وفي إغارته هذه تقوم المعركة بين الفريقين فريقه الذي يدافع عنه ويموه حتى لا يمسكه أحد والفريق الخصم الذي يحاول الإمساك به قبل وصوله الميدان فإذا وصل الميدان ولم يمسكه أحد من الفريق الخصم بقيت اللعبة لدى فريقه وإن تمكن الخصم من الإمساك به قبل وصوله الميدان أو الماد كما كنا نسميه انتقلت اللعبة إلى الفريق الآخر وهكذا.
وفي هاتين اللعبتين معارك طاحنة وحماس من كل فريق لا يمكن تصوره، وكانت ساعات الليل تمضي ونحن لا نحس بها، وكانتا من اللعبات الليلية المحببة إلى نفوسنا ويجري الإعداد لهما والتجمع منذ العصر بحيث يعرف الميدان والماد وأعضاء كل فريق.
أي بني
وفي ضوء القمر كنا نمارس لعبة أخرى يسميها الأطفال "حق الصبح" وتنطق بتشديد الصاد المضمومة وفتح الباب وسكون الحاء.. وحق الصبح هذا عمامة مفتولة أو مجدولة، حيث يجتمع الأطفال مجموعة واحدة ويمارسون هذه اللعبة بحيث يحددون الماد مسبقًا ويكون على مسافة 50 متراً ثم يمسك أحدهم العمامة المجدولة تحت ملابسه ويسير في اتجاه مخالف للماد مردداً قوله «حق الصبح ... جاكم بصوت مرتفع فيرد عليه المجموعة كاملة معاً خلفه تخسا ماجاناء ويسيرون خطوات بين قوله وقولهم وفجأة يرمي العمامة المجدولة هذه في اتجاههم قائلا بصوت مسموع «هذا هو جاكم» وتتلقفها المجموعة كل يرغب في مسكها فإذا ما أمسك بها أحدهم بدأ يضرب بها ضرباً قوياً من الحق به من الفريق الذين جميعهم يفرون إلى «المادة ليحميهم من ضربه بالعمامة المجدولة أو المفتولة والتي كنا نسميها عندما تقتل المعكارة» ويكون ضربها قوياً عندما تقتل بعناية ويمسك بها أحد الأقوياء ولا يبالي من أمسك بها في أي عضو يضرب وكيف يضرب.. وكثيراً من أبكاه وألمه ضرب المعكارة في لعبة «حق الصبح» هذه.
أي بني:
كم كانت تلك الألعاب جميلة ورائعة.. وكم كنا نجد فيها المتعة والتسلية، ولولا مناداة أهلينا لنا ومراقبتهم لتحديد الساعات التي تلعب فيها لبقينا إلى الصباح ونحن نمارس لعبتنا تلك لا نكل ولا نمل... وفي الرسالة القادمة أكمل لك بقية لعباتنا يوم كنا أطفالا والسلام. يرغب في مسكها فإذا ما أمسك بها أحدهم بدأ يضرب بها ضرباً قوياً من الحق به من الفريق الذين جميعهم يفرون إلى «الماد» ليحميهم من ضربه بالعمامة المجدولة أو المفتولة والتي كنا نسميها عندما تقتل المعكارة» ويكون ضربها قوياً عندما تقتل بعناية ويمسك بها أحد الأقوياء ولا يبالي من أمسك بها في أي عضو يضرب وكيف يضرب.. وكثيراً من أبكاه وألمه ضرب المعكارة في لعبة «حق الصبح» هذه.
أي بني:
كم كانت تلك الألعاب جميلة ورائعة.. وكم كنا نجد فيها المتعة والتسلية، ولولا مناداة أهلينا لنا ومراقبتهم لتحديد الساعات التي للعب فيها لبقينا إلى الصباح ونحن نمارس لعبتنا تلك لا نكل ولا نمل... وفي الرسالة القادمة أكمل لك بقية لعباتنا يوم كنا أطفالاً والسلام.






