أي بني..
محمد بن صالح البليهشي

أي بني..
وصلاً لما انقطع في رسالتي السابقة إليك حول العاينا أو لعباتنا يوم أن كنا أطفالا وقبل أن أبدأ في شرح البقية من اللعبات الطفولية في ذلك الوقت يوم طفولتنا نحن، أود الإشارة هنا إلى أن جميع اللعبات أو الألعاب التي كنا نمارسها نهاراً لم تكن في الغاية في حد ذاتها أي أننا لا نمارسها وحدها بل كنا نمارسها بجانب ما كلفنا به من أعمال مساعدة كالرعي مثلاً أو جلب المرعي أو الماء للبيت أو للماشية أو جلب الحطب للبيت أو غير ذلك
لقد كانت ألعابنا في الليل للعب فقط أما ألعابنا في النهار فإننا نمارسها خلسة عن أهلينا لأن مهمتنا في النهار العمل حسب رأيهم مهما كان صغر الطفل فهم كانوا يكلفونه بما يتناسب مع جسمه وعمره فإذا ما اجتمع أطفال في مكان وهم يرعون بهما مثلا أو يحطبون بعض الحطب الخفيف للبيت أو يجمعون العشب للماشية. إذا اجتمعوا وبعد أن يأمن كل منهم قيامه بما أسند إليه خوفاً من والده أو أمه فإنهم يمارسون أي لعبة يتفقون عليها ويميلون إليها في ذلك الوقت.
كان كل فرد في البيت له مهمة صغيراً أو كبيراً، طفلاً أو طفلة، ففي البادية كان الصغار والصغيرات يسرحون بالنهم وهي صغار الماعز وبالشغال كما يسميها بعضهم، يسرحون بها أي يرعونها في المنطقة حول بيوتهم، وفي القرى كانوا يكلفون الصغار بحش العشب وجلبه للأغنام في زرايبها جميع زريبة.. أو جلب الحطب من سيقان وفروع الأشجار الصغيرة أو ما ينخلع من النخل من كرانيف وجثامير وسعف وعراجين وكانت البنات الصغيرات يقمن بصغير ما يقمن به أمهاتهن في البيت من كنس وتنظيف وجلب الماء أو مشاركة إخوانهن في الرعي وإحضار الحطب والعشب من | سفوح الجبال والبساتين التي يسمونها «البلدان» واحدتها بلاد وهي المزرعة صغيرة كانت أو كبيرة، وقد يسميها بعضهم إن كانت كبيرة بلاداً وإن كانت المزرعة صغيرة جداً كانوا يسمونها حوضاً وإذا كان لا يسع إلا صفاً واحداً من النخل أو من الأشجار أطلقوا عليه اسم «الكوز» بضم الكاف وسكون الواو والزاء.
أي بني :
أعود مرة أخرى فأقول : ومما كنا نلعبه في زمان صبانا لعبة القب ... أو البورة، وهي لعبة معروفة يشترك فيها اثنان أو أكثر ) وآلتها عصا يطول متر وتزيد قليلاً و عصا صغيرة بطول 20 سم أي عود يقل عن حجم العصا سماكة وهو القب نفسه أو البور كما يسميه بعضهم وحفرة صغيرة تكفي لإدخال طرف العصا الطويلة بها حيث يوضع القب على الحفرة ويقف اللاعب ممسكاً بالعصا الطويلة بيده واضعاً طرفها الآخر في الحفرة تحت القب وهو محنى الظهر ثم يرفعه بطرف العصا الطويلة ويقف معتدلاً وإذا رفعه في الهواء ضربه بالعصا بسرعة ضربة قوية يحرص اللاعب من خلالها أن يبعده عن مكانه مسافة طويلة وعندما يستقر القب هذا وهو العود القصير في مكانه يضربه ثلاث ضربات في كل ضربة يحاول رفعة إلى الهواء ويثني تلك الرفعة بضرب القب مسافة أخرى ليبعده عن مركز الحفرة الأولى، وبعد ذلك تقاس المسافة بين آخر استقرار له ونقطة البداية في الحفرة ثم يقوم اللاعب الثاني بنفس العملية في اللعبة والفائز هو الذي يحصل على مسافة أطول وهكذا.
ومن أجل الحصول على الفوز ببعد المسافة يستعمل بعض الأطفال مختلف الوسائل في التحايل للغش في اللعبة كما يلعب فيها التسلط دوراً كبيراً من أجل تلك الغاية وإلى جانب لعبة القب بسكون اللام وضم القاف وسكون الباء أو لعبة البور هناك لعبة جميلة كنا نمارسها وتسميها لعبة الغميمة أو لعبة الدسيسة أو لعبة طيري... كلها أسماء لهذه اللعبة وفي هذه اللعبة يجتمع الأطفال ويحددون موقعاً على شكل دائرة ويعصبون عيني واحداً منهم داخل تلك الدائرة ثم يختبئون جميعهم كل منهم في مكان يختاره لنفسه فيصيح هو بقوله «طيري» على شكل استفهام فيرد عليه واحد منهم بنفس النغمة «طيري، فيزيل العصابة عن عينيه ثم يبدأ في البحث عنهم وكل منهم يجري ليصل إلى الماد قبل مسكه له فإذا تمكن المعصوب من مسك أي واحد، كان على الممسوك القيام بنفس الدور وإن تمكنوا جميعاً من الوصول الى الماد أو الميدان ولم يستطع الإمساك بأي منهم أعاد هو نفسه اللعبة وهكذا.. وبعضهم يقول عند فك العصابة أو العميمة شرعت بدلا من طيري وهذه اللعبة يمارسها الأولاد كما يلعبها البنات من السادسة الى التاسعة من العمر. وفي لعبة الغميمة هذه أو لعبة طيري بكسر الطاء والراء وسكون اليانين لابد أن يتأكد من يقوم باللعبة من وصول الجميع إلى دائرة الماد، وأذكر أن أحد الأطفال الأشقياء في هذه اللعبة نزل مع طي بئر طولها 20 متراً ليخفي نفسه عن المغموم وعندما تفقدهم ذلك اللاعب لم يجد صاحبنا الذي نزل في البتر داخل دائرة الماد فيحث عنه وقتاً طويلاً حتى اهتدى إليه وعرف أنه في قاع البتر منزل خلفه مع جدار البتر قهوت به حصاة فسقط على صاحبه وانكسرت يده ولما رأى الأول سقوط رفيقه عليه وصياحه تهيب الصعود وبقي الإثنان داخل البتر المهجورة واجتمعت نساء القرية حولهما في صياح وجلبة من صلاة العصر حتى المغرب حيث وصل الرجال وتبرع أحدهم بالنزول وحمل صاحبينا واحدة بعد الآخر على ظهره وأنقذهما من ذلك المدس بسكون اللام والسين وفتح الميم والدال.. وهو واحد من مدسات أي مخابئ الدسيسة أو الغميمة أو طيري.. والعميمة بضم الغين وتشديد الميم بالفتح وسكون الياء وفتح الميم الثانية مأخوذة من التعميم وهو ربط عصابة على العينين حتى لا يرى اللاعب أين ذهب الباقون ولا في أي الأماكن اندسوا أي اختبأوا...
أي بني :
وما دمنا قد ذكرنا البئر في قصة صاحبنا هذه التي جعل منه مخيا له ومصيدة لصاحبه الذي وقع فوقه أذكر أنك سألتني مرة عن الغرب والرشاء، وهذه يابني فرصة إفادتك بالبئر ومكوناتها فطى البئر وجال البتر هو الحجر الذي بني على جوانبه مجموعها يسمى الطي وأعلاه الجبال وفي جهتين من فم البتر وهو فتحتها من أعلى تقام ميان بالحجر تثبت بها فرون البئر وتركب في وسط الفتحة المحالة وهي عبارة عن عجلة خشبية تدور حول محول محفور في قطرها الخارجي يكون مجرى للرشاء وفي وسطها أسطوانة من الخشب يسمونه القب له ثقب في الوسط والرشاء هو الحبل الذي ينزل الدلو إلى الأسفل ليمتلئ بالماء ويسحب من خلال المحالة والقلص أكبر من الدلو وأكبر من القلص الغرب الذي يتراوح طوله بين متر ومترين وله فتحتان أحداهما فم الغرب والأخرى كمه أي كم الغرب وبها الشرعة التي يربط بها ما يسمى بالسريح وهذه الفتحة يصب منها الماء في التزا اثناء رفع الغرب إلى أعلى وهو من عدة السواني... وهناك الدوافع وهي أعمدة خشبية تصل بين القب والاطار الخارجي.
والدلو والقلص والغرب جميعها كانوا يصنعونها من جلد الجمل غالباً السميك المدبوغ ديغاً خاصاً لكي يتحمل نزح الماء من البئر المسافات بعيدة وذلك في الآبار ذوات الأعماق الطويلة.
أي بني :
لقد انقرضت تماماً لدينا أجهزة الري القديمة... لقد مات الغرغاز واندثرت الساقية وتحطمت السواني التي كانت تملأ الأسماع في كل جهات المزارع يوم أن كانت في حياة الفلاح يطرب لها ويفرح بسماعها ويتقن آلياتها - ماتت هذه جميعها وحلت محلها طرمبات الأعماق التي تسحب
الماء بالكهرباء دون صوت أو إزعاج.
نعم يابني كانت الآبار تحفر بالأيدي والآليات البسيطة كالفاروع والعتلة والمرزية والمسحاة والكريك وغيرها وتطوى بالحجارة المطابقة، بمعنى أن الفلاح إذا وجد الماء في البئر وتأكد من كفايته عمل على إيجاد الأحجار المطابقة التي تبني في جميع جوانب البتر على شكل دائري من أسفلها إلى أعلاها بناء متقناً ومع البناء كان البناؤون على درجة كبيرة كبيرة من الدراية والخبرة والمعرفة، فهم يضعون في حسبانهم أثناء عملية ملية البناء وجود أحجار زائدة تكون بمثابة السلالم التي يرقى منها أو ينزل عليه عليها لمعرفة ما في البتر من دمار أو كمية مياه أو غير ذلك وإذا انتهى طي الـ البتر في جهتين متقابلتين ما يسمونه قرون البئر وهذه القرون بارتفاع من مترين تقريباً وفي القرنين يعمل البناء على إيجاد منامات وفي أجزاء من من أعمدة حجرية مثقوبة وتكون تلك المنامات في مستوى أفقي واحد ويتفنن البناؤون في طي الآبار وفي إتقان ما يقام عليها من قرون أي قوا قواعد حجرية في أطرافها.. ولك أن تتصور يابني تلك المتاعب في طي الآبار وما تحتاجه من أحجار ومؤن وكم من حفارين لتلك الآبار انهارت عليهم جني جنياتها وصارت قبوراً لهم وكم من أناس تمايل عليهم الطي أو حجارة منه فأهلك هلكهم.. كل ذلك من أجل البحث عن الماء ووجوده ولكل ذلك أيضاً كان الماء لديد لديهم عزيزا.
أي بني:
نسيت أن أستعرض لك ألعاب صبانا فجرني الحديث إلى البتر وشؤونه وشجونه وأعتقد أنك تسألني في لهف وشوق عن الغرغاز والساقية والسانية أو السواني كما تشتاق إلى سماع بقية لعباتنا أو ألعابنا القديمة وأعدك يابني بإتمام كل ذلك في الرسالة القادمة والسلام...






