
المدينة اليوم
قد يبدو عنوان «المدينة اليوم» مرتبطًا بلحظة زمنية محددة، لكن الزمن هو الذي يمنح هذا الكتاب قيمته المتجددة. فالمدينة التي وصفها محمد بن صالح البليهشي في بداية القرن الخامس عشر الهجري لم تعد هي المدينة نفسها التي يعيشها القارئ اليوم، ولهذا أصبح الكتاب مع مرور العقود وثيقة عن مرحلة تاريخية كاملة. صدر الكتاب عن نادي المدينة المنورة الأدبي عام ١٤٠٢هـ، وجاء في ٣٤٦ صفحة. وقدّم وصفًا تاريخيًا وإعلاميًا للمدينة المنورة، مركزًا على جوانب من تطورها التعليمي والإداري والعمراني والاجتماعي. يتابع الكتاب مظاهر التحول التي كانت تعيشها المدينة، فيرصد التعليم والإدارة والعمران والحياة الاجتماعية، كما يتوقف عند تطور عمارة المسجد النبوي ويذكر المساجد التاريخية في المدينة. وهذه الموضوعات تكشف اهتمام المؤلف بتسجيل المدينة من أكثر من زاوية؛ ليس بوصفها تاريخًا قديمًا فقط، بل باعتبارها مكانًا حيًا يتغير أمام عيني الكاتب. ومن المفيد قراءة الكتاب اليوم باعتباره مقارنة غير مباشرة بين مدينتين: المدينة التي عاشها البليهشي وكتب عنها، والمدينة التي يعرفها القارئ المعاصر. فالطرق والمباني والمؤسسات والعادات التي تبدو مألوفة في النص قد تصبح بعد سنوات شواهد على مرحلة انتهت. وهنا تظهر إحدى أهم وظائف الكتابة التاريخية المحلية: أن تحفظ التفاصيل القريبة التي قد لا تجد طريقها إلى الكتب الكبرى. التاريخ لا يتكون من الأحداث العظيمة وحدها؛ بل يتكون كذلك من المدرسة والشارع والمبنى والمؤسسة والعادة اليومية، ومن الطريقة التي كانت المدينة تنمو بها في وقت معين. ولهذا فإن «المدينة اليوم» لا يُقرأ فقط بوصفه وصفًا للمدينة في زمنه، بل باعتباره وثيقة تساعد على فهم التحولات التي مرّت بها المدينة المنورة خلال العقود اللاحقة.
